زكريا القزويني
223
آثار البلاد واخبار العباد
وهجرت لكثرة ما بها من الجرارات ، فرأيت العليل طريحا بها لا يمكنه أن ينقلب من جنب إلى جنب ولا أن يتكلّم ، فبات بها ليلة ، فلمّا كان من الغد وجدوه جالسا يتكلّم فصيحا وقام ومشى . فقال له الطبيب : انتقل الآن من هذا المكان ، فإنّه لذعتك واحدة ابرأتك وقام بحرارتها برد الفالج ، فإن لذعتك أخرى تقتلك ! فانتقل من هذا الموضع وصلح حاله . عكّة مدينة على ساحل بحر الشام من عمل الأردن ، من أحسن بلاد الساحل في أيّامنا وأعمرها ، وفي الحديث : طوبى لمن رأى عكّة ! قال البشّاري : عكّة مدينة حصينة على البحر كبيرة ، لم تكن على هذه الحصانة حتى قدمها ابن طولون وقد رأى مدينة صور واستدارة الحائط على مبناها ، فأحبّ أن يتّخذ لعكّة مثل ذلك ، فجمع صنّاع البلاد فقالوا : لا نهتدي إلى البناء في الماء ، حتى ذكر عنده جدّي أبو بكر البنّاء ، فأحضره وعرض عليه فاستهان ذلك وأمر بإحضار فلق من خشب الجمّيز غليظة ، نصبها على وجه الماء بقدر الحصن البري ، وبنى عليها الحجارة والشيد ، وجعل كلّما بنى عليها خمس دوامس ربطها بأعمدة غلاظ ليشتدّ البناء ، والفلق كلّما ثقلت نزلت حتى إذا علم أنّها استقرّت على الرمل تركها حولا حتى أخذت قرارها ، ثمّ عاد فبنى عليها ، وكلّما بلغ البناء إلى الحائط الذي قبله داخله فيه . وقد ترك لها بابا وجعل عليه قنطرة . فالمراكب في كلّ ليلة تدخل الميناء وتجرّ سلسلة بينها وبين البحر الأعظم مثل مدينة صور ، فدفع ابن طولون إليه ألف دينار سوى الخلع والمراكب واسمه مكتوب على السور . ولم تزل في أيدي المسلمين حتى أخذها الفرنج في سنة سبع وتسعين وأربعمائة ، وكان عليها زهر الدولة الجيوشي من قبل المصريّين ، فقاتل أهل عكّة حتى عجزوا . فأخذها الفرنج قهرا وقتلوا وسلبوا ولم تزل في أيديهم إلى زمن صلاح الدين ، فافتتحها سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، وشحنها بالسلاح